حسن حنفي

606

من العقيدة إلى الثورة

ولذلك احتوى كثير من النصوص على صور فنية لتصوير المعاد ليس الغرض منها اصدار أحكام واقع بل أحكام قيمة . ليس المطلوب منها ايجاد تطابق معانيها مع وقائع مادية بل كشف هذه المعاني عن جوهر التجربة الانسانية في المستقبل . لا يحيل النص اذن إلى وقائع مادية بل يكشف عن وقائع شعورية تعبر عن بنية الوجود الانساني . ان قسمة الحياة إلى دنيا وآخرة ، إلى ديني ودنيوي لتعبر عن تصور ثنائى للحياة يكشف عن تخلف وكبت وحرمان وتعويض وعجز واستكانة وخور . ولا تعنى الآثار المترتبة على الفعل التصوير الفنى لهذه الآثار من جنة أو نار . فالجنة هي الفائدة المترتبة على النظر ، والنار هي الضرر الناتج عن غياب النظر كما هو الحال في تأويل الفلاسفة . الجنة هي آثار الفعل الحميد في الدنيا والنار هي آثار الفعل القبيح فيها . أمور المعاد اذن هي أولا خطأ في التفسير وتحويل الصور الفنية إلى وقائع مادية . وهي ثانيا خطأ في الاتجاه وتحويل هذا العالم إلى عالم آخر مما يكشف عن موقف مغترب منحرف ، معوج منعرج في الحياة . وهي ثالثا خطأ في القصد . فليس المقصود منها الحساب الكمي في النهاية بل توجيه السلوك والتأثير فيه منذ البداية . وكلما عمقت ثقافة الانسان وقوى وعيه وقلت غربته عن العالم فإنه لا يكون في حاجة إلى خلق مثل هذه العوالم الوهمية ، وأصبح قادرا على التفرقة بين عالم التمني وعالم الواقع . وفي المواقف الثورية تغير المجتمعات حالها بالفعل ، وتفرق بين النية والعمل ، بين القصد والفعل ، بين البداية والنهاية . ان الخلود رغبة انسانية خالصة ، وتعبير عن طموح الانسان لتجاوز فنائه وحدوثه . فهي رغبة على الدوام لتجاوز الزمان وطموح في البقاء

--> تنمحى من لوح الوجود ، الحصون ص 98 - 99 . أنظر بحثنا « علم المستقبليات ( عالم الغد بين الأمس واليوم ) » في دراسات فلسفية ص 551 - 599 ، الإنجلو المصرية ، القاهرة ، 1988 .